عمر فروخ
202
تاريخ الأدب العربي
نازلا في خان ينتظر أن يستدعيه ابن عبّاد حتّى قنط أو كاد . ثمّ جاءه رسول المعتمد فذهب إليه . وامتحنه المعتمد بقول الشعر بديهة وسرّ من بديهته . ونال ابن حمديس عند المعتمد حظوة ومالا وشهرة . ولها في إشبيلية ما شاء له اللّهو . وفي سنة 484 ه ، بعد أسر المعتمد بن عبّاد على يد المرابطين ، انتقل ابن حمديس إلى المغرب وتطوّف بين أغمات ( قرب مدينة مرّاكش ، حيث كان المعتمد أسيرا سجينا ) وبين سفاقس ( في تونس على شاطئها الشرقي ) وبالمدن التي بينهما عشرين سنة من غير أن يقطع صلته بالمعتمد . فلمّا مات المعتمد ( 488 ه - 1095 م ) اتّصل ابن حمديس ببني علنّاس وبني زيري وبني خراسان - ولكنّه لم يتّصل بسلاطين المرابطين وفاء منه للمعتمد - . وأخيرا استقرّ في بجاية ( على الساحل ، شرق مدينة الجزائر ) ، ويبدو أنّه كان قد عمي في ذلك الحين . وكانت وفاة ابن حمديس في بجاية ، في رمضان من سنة 529 ( تمّوز - يوليو 1135 م ) . 2 - ابن حمديس الصقلّي شاعر مكثر مجيد من أكبر شعراء الأندلس ؛ وأسلوبه مألوف - على عمود الشعر العربي - وعلى شعره أثر واضح من النفس المشرقي في الفنون التقليدية ، ويظهر هذا الأثر في المعاني وفي الألفاظ والتراكيب . ومع أنّ ابن حمديس شاعر وجدانيّ يجري في نظمه على السليقة ، فإنّه يوغل أحيانا في التكلّف : في التجنيس والمطابقة . وشعر ابن حمديس قصيد ورجز قصائد طوالا ومقطّعات قصارا . أما فنونه فالمديح والرثاء ( وليس له هجاء ) والغزل والنسيب والشكوى ، وهو كثير الحنين إلى موطنه صقلّية وإلى أيام طفولته وشبابه . ووصفه بارع جدّا ؛ وهو وصّاف لمظاهر الطبيعة في مقطّعات وفي مطالع القصائد أو في ثناياها أحيانا ، ممّا يذهب عادة بقيمة فنونه الأخرى إذ يضيع المديح مثلا في الأوصاف المتراكمة . وقد تضعف أوصافه حينا حينما يغرق في تطلّب الصور الشعرية الغريبة فتغمض تلك الصور . وكذلك له شيء من الخمريات والطرد ( وصف الحيوان ) والحكمة والزهد . ولابن حمديس كتاب اسمه « تاريخ الجزيرة الخضراء » .